محمد سعيد رمضان البوطي

141

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ففتحت عتيدتها « 63 » فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ، فأفاق النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « ما تصنعين يا أم سليم ؟ » فقالت : يا رسول اللّه ، نرجو بركته لصبياننا ، قال : « أصبت » « 64 » . ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام والتبرك بالكثير من آثاره كألبسته والقدح الذي كان يشرب به « 65 » . فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية ، فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللّه جل جلاله ؟ وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟ ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك ، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس . فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسّل به . وكل من التوسل بجاهه صلّى اللّه عليه وسلم عند اللّه والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة ، وكل الصور الجزئية له تدخل تحت عموم النص عن طريق ما يسمى ب ( تنقيح المناط ) عند علماء الأصول . ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته صلّى اللّه عليه وسلم عند هذا القدر ، لنتحدث بعد ذلك عن الأعمال الجليلة التي بدأ يقوم بها صلّى اللّه عليه وسلم ، في المجتمع الجديد في المدينة المنورة .

--> ( 63 ) العتيدة كالصندوق الصغير تجعل فيه المرأة ما يعز من متاعها . ( 64 ) مسلم : 1 / 83 ( 65 ) يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر ، ذكر ذلك في نقد له على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر الكتاني لطلاب كلية الشريعة . ونحن نرى أن هذا كلام خطير ما ينبغي أن يتفوه به مسلم ، فجميع أقوال الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع ، والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما لم ينسخه كتاب أو سنة صحيحة . ومن أهم فوائد التشريع ودلالاته معرفة الحكم والاعتقاد بموجبه . وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولا سنة مثلها فمضمونها التشريعي باق إلى يوم القيامة . ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام فضلا عن التوسل بذاته وجاهه عند اللّه تعالى ، وإن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن ، فكيف يقال مع ذلك إنه لا فائدة منها في هذا العصر ؟ . . أكبر الظن أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الشيخ ناصر ، أنها تخالف مذهبه في التوسل ، غير أن ذلك وحده لا يكفي موجبا لنسخها وانتهاء فائدتها كما هو معلوم .